النويري

160

نهاية الأرب في فنون الأدب

السمرقندي رحمه اللَّه في كتابه المترجم تنبيه الغافلين ( مطبوع طبعة بولاق ) قال : حدثنا أبي قال : حدثنا أبو الحسن الفرا عن عبد اللَّه بن الفرج قال : خرجت يوما في طلب أجير يعمل لي شيئا في الدار ، فأتيت في طلبه فإذا أنا برجل حسن الوجه وبين يديه مر وزنبيل ، فقلت له : أتعمل لي اليوم إلى آخر الليل ؟ قال : نعم ، قلت : بكم ؟ قال : بدرهم ودانق ، قلت له : قم ، فقام وأتى معي إلى منزلي ، فعمل معي عملا كان يعمله غيره في ثلاثة أيام ، ثم أتيته في اليوم الثاني أطلبه فلم أره ، فسألت عنه فقيل هو رجل لا يرى في الأسبوع إلا يوما واحدا ، وقالوا لي يوم السبت ، فتربصت حتى أتى ذلك اليوم ، فجئت وهو جالس ، فقلت له : أتعمل اليوم معي ؟ قال : نعم بدرهم ودانق ، قلت : تعمل بدرهم ، قال : لا ، إلا بدرهم دانق ، قلت قم فقام وعمل معي عملا كان يعمله غيره في ثلاثة أيام ، فلما كان وقت المساء وزنت له درهما واحدا ، فقال لي : ألم أقل لك بدرهم ودانق ؟ وكنت أردت أن اختبره ، فقال : قد أفسدت علىّ أجرتى ، ولا آخذ منك شيئا ، قال : فوزنت له درهما ودانقا ، فأبى أن يأخذه ، فألححت عليه فقال : سبحان اللَّه أقول لك ما آخذ وتلح علىّ ! ! ومضى وأقبلت إلى أهلي وأخبرتهم بقصته فقالت لي زوجتي : فعل اللَّه بك وصنع ، ما الذي أردت من رجل عمل لك عمل ثلاثة أيام في يوم واحد ! ! قال فجئت يوما أسأل عنه فقيل لي إنه مريض ، فاستدللت على بيته فأرشدت إليه ، فأتيته وإذا هو مبطون في خربة ، ليس فيها شئ غير ذلك المر والزنبيل ، فسلمت عليه فرد على ، فقلت له : لي إليك حاجة ، وأنت تعرف ما جاء في إدخال السرور على العبد ، فقلت : إني أحب أن تأتى إلى بيتي حتى أمرضك فيه ، قال : أتحب ذلك ؟ قلت نعم ، قال : آتيك على ثلاثة شرائط تقبلها منى ولا تخالفنى فيها ، قلت : نعم ، قال : أحدها أنك لا تعرض على طعاما حتى أسألك وآذن لك فيه ، قلت : نعم ، قال : والثاني : إذا أنامت فكفني في كسائى هذا وجبتى هذه ، فقلت : نعم ، وأما الثالث : فهو أشد منهما ، وسأخبرك عنه غدا إن شاء اللَّه ، قال : فحملته إلى منزلي عند الظهر ، فلما أصبحت من الغد ناداني فأتيته ، فقلت ما شأنك ؟ قال : ألا أخبرك عن حاجتي الثالثة ، أعلم أنه قد حضرت وفاتي ، ثم قال : افتح هذه الصرة التي في كم جبتى ، ففتحتها فإذا فيه خاتم عليه فص أخضر ، فقال لي : يا عبد اللَّه إذا أنامت فكفني كما أمرتك وورانى ، وخذ هذا الخاتم فأدفعه إلى هارون الرشيد ، وقل له : يقول لك صاحب هذا الخاتم : ويحك لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت عليها ندمت ، ثم مات ، فلما دفنته سألت عن يوم خروج الرشيد فأخبرت ، فكتبت قصة وتعرضت له ، فدفعت إليه القصة بعد أن ضربت ضربا موجعا ، قال : فلما دخل القصر وقرأ القصة استدعانى ، فدخلت عليه فقال : ما شأنك ؟ فأخرجت الخاتم ودفعته إليه ، فلما نظر إليه قال لي : من أين لك هذا الخاتم ؟ قلت يا أمير المؤمنين دفعة إلىّ رجل طيان وأخبرته بقصته ، فنظرت إلى دموعه تنحدر على لحيته ، وهو يقول : رجل طيان ! ! ! وقربنى منه وأدنانى فدنوت منه ، فقلت له : يا أمير المؤمنين إنه أوصاني بوصيته ألقيها إليك ، قال : ألق ما معك من الوصية ، قلت له : يقول لك صاحب هذا الخاتم : لا تموتن على سكرتك هذه ، فإنك إن مت عليها ندمت ، فقام قائما وضرب بنفسه على البساط وجعل ينتف رأسه ولحيته ، ويقول : يا بنى نصحت أباك حيا وميتا ، وبكى بكاء طويلا ثم جلس ، وجاؤا فغسل وجهه ، واستعاد القصة